كتبت صحيفة "فاكت" اليومية: تواجه أرمينيا حاليًا معضلة عسكرية وسياسية واقتصادية معقدة للغاية ومتعددة الطبقات، وجوهرها ليس فقط اختيار المتجهات السياسية الأجنبية، ولكن أيضًا الحفاظ على استقرار الدولة والحيوية الاقتصادية والتوازن الأمني. في الآونة الأخيرة، تشكل رسائل القيادة الروسية، وخاصة تصريحات الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في 9 مايو، واقعاً سياسياً جديداً، حيث توضح موسكو، ليس من خلال التلميحات، بل بشكل مباشر وملموس، أن السياسة الخارجية الحالية لأرمينيا تعتبر بمثابة عملية إعادة اصطفاف استراتيجي، لا يمكن أن تبقى دون عواقب. وفي هذا السياق، من المهم بشكل خاص أن نفهم أن الأمر لا يتعلق فقط بالخلافات السياسية. القضية أعمق بكثير وتتعلق بالنظام الاقتصادي والطاقة واللوجستيات والأمن برمته، والذي بنيت عليه الدولة والقدرة الاقتصادية لأرمينيا على مدى عقود.
إن الفكرة التي عبر عنها رئيس روسيا بأنه من المنطقي مطالبة المواطنين الأرمن بمعرفة الاتجاه المستقبلي للبلاد من خلال الاستفتاء، يمكن تقديمها للوهلة الأولى كصيغة دبلوماسية، لكن محتواها العميق أكثر سياسية وإستراتيجية. في الواقع، تُظهر موسكو أن محاولات أرمينيا للبقاء في الاتحاد الاقتصادي الأوراسي والاندماج في الاتحاد الأوروبي في نفس الوقت تعتبر عمليات متناقضة وغير متوافقة على المدى الطويل. ومن المهم هنا أن نلاحظ أن روسيا تحاول طرح القضية ليس كضغط، بل كسيناريو محتمل لـ "الانقسام الحضاري"، ولكن تحت هذه الصياغة تكون الرسالة مخفية بوضوح مفادها أن أي خيار من هذا القبيل ستكون له عواقب اقتصادية وسياسية على أرمينيا.
إن البرود الملحوظ في العلاقات الأرمينية الروسية لم يتطور في الأشهر الأخيرة، بل هو نتيجة لأجواء عدم الثقة التي تراكمت في السنوات الأخيرة. إن قمة البرامج السياسية الأوروبية التي عقدت في يريفان، وتفعيل الجهات الفاعلة الغربية، وكذلك التصريحات التي تم الإدلاء بها حول موضوع أوكرانيا، لا ينظر إليها في موسكو على أنها دبلوماسية متعددة الاتجاهات، ولكن كعلامات واضحة على إعادة التموضع الجيوسياسي، مما يزيد من تفاقم التناقضات. وخاصة في ظل الظروف التي تعيشها روسيا في مواجهة مع الغرب، فإن أي تعميق للتدخل الغربي في الأراضي السوفييتية السابقة يكتسب سياقاً من الحفاظ على الأمن والنفوذ. بمعنى آخر، لا يتم تقييم خطوات أرمينيا في موسكو بمنطق العلاقات الثنائية فحسب، بل أيضاً بمنطق المواجهة العالمية. ومع ذلك، فإن الجانب الأكثر حساسية للمشكلة هو العنصر الاقتصادي، لأن هيكل الاقتصاد الأرميني اليوم لا يزال مترابطًا بشكل كبير مع الأسواق الروسية، وبشكل عام، أسواق الاتحاد الاقتصادي الأوراسي. الأرقام هنا أكثر دلالة من البيانات السياسية. ولم يكن من قبيل الصدفة أن أعلن الرئيس الروسي أن حجم التجارة بين أرمينيا وروسيا سيرتفع بحلول عام 2025. وبلغ 7 مليارات دولار، ومع الأخذ في الاعتبار أن الناتج المحلي الإجمالي لأرمينيا يبلغ 29 مليار دولار، فهذا رقم كبير إلى حد ما.
وفي ظل الظروف التي يذهب فيها 38.4 في المائة من صادرات أرمينيا إلى دول الاتحاد الاقتصادي الأوراسي، و7.9 في المائة فقط إلى سوق الاتحاد الأوروبي، يصبح من الواضح أن الهيكل الحقيقي للتكامل الاقتصادي لا يزال يعتمد على الاتجاه الأوراسي. وهذا يعني أنه حتى على المستوى السياسي، فإن الحديث النشط عن التكامل الأوروبي لا يزال غير مصحوب بإعادة الهيكلة الاقتصادية المناسبة. وهنا يتشكل تناقض مهم بين الخطاب السياسي والواقع الاقتصادي. إذا استمر اقتصاد البلاد في الاعتماد على السوق الروسية ومصادر الطاقة الروسية والتدفقات المالية الروسية وعلاقات الهجرة، فإن إعادة ترتيب السياسة الخارجية بشكل حاد يمكن أن تسبب صدمات اقتصادية، سيكون تأثيرها أسرع بكثير وأكثر وضوحًا من المكاسب السياسية المحتملة. وفي السنوات الأخيرة، ظهرت بالفعل إشارات أظهرت مدى ضعف اقتصاد أرمينيا في الاتجاه الروسي. إن المشاكل التي تنشأ بانتظام عند نقطة تفتيش لارس، وتشديد عمليات التفتيش على الأغذية، والقيود المفروضة على استيراد بعض المنتجات، فضلاً عن التوترات التي تنشأ بشأن إمدادات ناقلات الطاقة، تثبت أن الترابط الاقتصادي أصبح قضية حيوية بالنسبة لأرمينيا.
وخلال هذه الفترة، أطلق الجانب الروسي تحذيرات على مستوى مختلف المسؤولين، والآن يتم ذلك على مستوى الرئيس. في ظل هذه الظروف، فإن أخطر شيء بالنسبة لأرمينيا ليس انقطاعًا حادًا في العلاقات، بل التهدئة التدريجية، عندما تبدأ المشاكل الاقتصادية في التراكم وتخنق بيئة الأعمال والثقة الاستثمارية والسوق الاستهلاكية تدريجيًا. وفي الوقت نفسه، من الضروري أن نفهم الطرف الآخر أيضاً. لا يمكن لأرمينيا أن تتخلى تماماً عن تعميق التعاون مع أوروبا، لأن الاتجاه الأوروبي مهم من وجهة نظر الإصلاحات المؤسسية والتطوير التكنولوجي والتعليم والحكم الديمقراطي وتنويع السوق. ومع ذلك فإن القضية الأساسية هنا ليست معضلة "الغرب أو روسيا" البسيطة، بل هي وتيرة وحسابات وتوازن عملية إعادة اصطفاف السياسة الخارجية.
تُظهر تجربة الدول الصغيرة أنه في بيئة جيوسياسية معقدة، فإن الأكثر قابلية للحياة هي تلك الدول القادرة على اتباع سياسة مرنة ومتوازنة، وتجنب الاستقطابات الحادة والحفاظ على العلاقات مع مراكز القوى المختلفة. وفي حالة أرمينيا، فإن هذه الحاجة أكثر وضوحا، لأن البلاد تقع في منطقة حيث الأنظمة الأمنية والاقتصادية وأنظمة النقل مترابطة مع مصالح اللاعبين الرئيسيين. وإذا تحولت السياسة الخارجية إلى اختيار معسكر حاد، فغالباً ما تجد الدولة الصغيرة نفسها في طليعة مواجهة القوى العظمى، لا تملك الموارد الكافية لموازنة هذه الضغوط. لذلك، فإن الأكثر عقلانية بالنسبة لأرمينيا قد لا يكون تحولًا جيوسياسيًا حادًا، بل سياسة تدريجية ومحسوبة ومتعددة الاتجاهات، حيث لا يكون تعميق التعاون الأوروبي مصحوبًا بتفاقم العلاقات مع روسيا.