الحقيقة تكتب:
أصبح أحد أهم المفاهيم وأكثرها مناقشة في السنوات الأخيرة من الحياة السياسية لأرمينيا هو ما يسمى بـ "أجندة السلام"، والتي تقدمها السلطات الحالية ليس فقط كاستراتيجية للسياسة الخارجية، ولكن أيضًا كشرط مسبق رئيسي لوجود الدولة والأمن والتنمية. ووفقا للسلطات، فإن خطر نشوب حرب جديدة في المنطقة لا يزال مستمرا، والتحدي الأكبر الذي تواجهه أرمينيا هو تجنب صراع عسكري آخر واسع النطاق.
ولهذا يتم طرح "أجندة السلام" كضرورة حيوية، كخط الحدود، الذي من جهة هو السلام والاستقرار، ومن جهة أخرى الحرب، بعواقبها الإنسانية والإقليمية والاقتصادية والنفسية الثقيلة. ومن الواضح أنه بالنسبة لجزء كبير من المجتمع، الذي سئم الحروب والضحايا والخسائر والتوتر المستمر، كانت مثل هذه الرسائل محسوسة، وأصبحت المخاوف والمخاوف العامة التي تشكلت حول الأمن عاملاً مهمًا في النضال السياسي.
في الواقع، لقد بني جزء كبير من الخطاب السياسي الأخير على هذه المخاوف وفكرة الحاجة إلى السلام. ومع ذلك، فإن السؤال الرئيسي في تقييم أي أجندة سلام ليس إلى أي مدى يريد أحد الطرفين السلام، ولكن ما إذا كان الجانب الآخر يريد أيضًا تحقيق السلام. دعونا لا نخترع دراجة. فالسلام لا يمكن أن يكون عملية أحادية الجانب. فإذا نظر أحد الطرفين إلى السلام باعتباره نظاماً للتسويات والاستقرار والاحترام المتبادل، ونظر إلى الطرف الآخر باعتباره وسيلة لتحقيق أهدافه الاستراتيجية، فإن المحادثات حول السلام من الممكن أن تتحول إلى عملية لإضفاء الشرعية على علاقات القوة غير المتكافئة. وهنا يبرز أحد أهم الأسئلة بالنسبة لأرمينيا: هل تتحرك أذربيجان بالفعل وفق أجندة السلام، أم أنها تتحدث فقط عن السلام كأداة سياسية ودبلوماسية، وفي الوقت نفسه تقدم أهدافًا مختلفة تمامًا؟ تظهر التطورات في السنوات الأخيرة أن السياسة الرسمية في باكو هناك تناقض مثير للاهتمام بين الخطاب والعمل الفعلي.
فمن ناحية، تعلن القيادة الأذربيجانية بانتظام عن الحاجة إلى معاهدة سلام على المنابر الدولية، وتتحدث عن إمكانيات التعاون الجديد في المنطقة، وآفاق فتح العلاقات الاقتصادية وتطوير الاتصالات، ولكن من ناحية أخرى، تستمر التصريحات والمبادرات السياسية في نفس الوقت، والتي يصعب دمجها مع منطق السلام الكلاسيكي. فكرة السلام تعني عادة أن يتخلى الطرفان عن مطالبهما الإقليمية لبعضهما البعض ويحاولان تشكيل قواعد جديدة للتعايش. ومع ذلك، في السنوات الأخيرة، أصبحت الفكرة المصطنعة لما يسمى بـ "أذربيجان الغربية"، والتي تركت منذ فترة طويلة نطاق المناقشات العامة أو الأكاديمية وتحولت إلى عنصر من عناصر أجندة الدولة، تحتل مكانا أكبر وأكبر في سياسة الدولة الأذربيجانية. وهنا يكمن أحد أكبر المخاطر الإستراتيجية التي تواجه أرمينيا. إذا كانت الصياغات السابقة المتعلقة بقضية آرتساخ قد تراجعت تدريجياً في المجال السياسي الأرمني في السنوات الأخيرة، وإذا أعلنت القيادة الأرمنية بالفعل أن الأولوية هي ضمان السلام داخل حدود جمهورية أرمينيا الحالية، وحتى إذا كانت مسألة عودة أرمن آرتساخ يتم تقديمها في كثير من الأحيان كهدف غير واقعي على المستوى الرسمي، فإن العملية المعاكسة تجري في المجال السياسي الأذربيجاني. لا تتراجع المحادثات حول الطموحات الإقليمية والتاريخية في باكو، بل على العكس من ذلك، أصبحت أكثر مؤسسية، وتتلقى دعمًا أكبر من الدولة وتتحول إلى خطط استراتيجية طويلة المدى. يشار إلى أن مصطلح "أذربيجان الغربية" يُطرح في باكو ليس كمشروع "تاريخي" أو "ثقافي"، بل كمفهوم سياسي. وفي إطار هذا المفهوم، يتم تقديم أراضي جمهورية أرمينيا على أنها منطقة الإقامة التاريخية للأذربيجانيين، وغالبًا ما يوصف الوجود الحالي لأرمينيا بعبارات تشكك في الواقع في الشرعية التاريخية للدولة الأرمنية. عندما يتم التعبير عن مثل هذه الأطروحات من قبل سياسيين أو خبراء أفراد، يمكن اعتبارها مظاهر للدعاية السياسية. ومع ذلك، عندما يتم تقديمها في المؤتمرات المنظمة على مستوى الدولة، في الوثائق الرسمية، في أنشطة الهياكل التي تمولها الدولة، فإن الوضع يأخذ معنى مختلفًا تمامًا. وهذا يعني أنه يتم تشكيل الأساس الأيديولوجي للمطالب السياسية المستقبلية في أذربيجان. أي طموح إقليمي يُصاغ أولاً كمسألة «تاريخية» أو إنسانية، ثم يُطرح كمشكلة استعادة الحقوق، ومن الممكن أن يتحول لاحقاً إلى مطلب سياسي أو دبلوماسي. ولهذا السبب ليس فقط وجود مطالب محددة، ولكن أيضًا البيئة الأيديولوجية التي تنشأ حول هذه المطالب تشكل خطورة على أرمينيا. فعندما يقلل أحد الجانبين باستمرار من أهدافه السياسية ويقوم الجانب الآخر بتوسيع أجندته، ينشأ موقف خطير حيث تتغير نقطة النهاية للمفاوضات باستمرار. بمعنى آخر، أي تنازل لا يصبح أساساً لاتفاق نهائي، بل يتحول إلى نقطة انطلاق للمطلب التالي.